مجمع البحوث الاسلامية
277
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الوصف ثلاث مرّات ، ووهب المدينة الاسم ثماني مرّات ، وكأنّ المؤمنين في مكّة حريّ بهم أن يعرفوا هذا الوصف وموصوفه ، ليوطّنوا أنفسهم على الاتّصاف به رغم ما فيه من الصّعوبات . ثمّ دعاهم في المدينة إلى ( البرّ ) في سياق ينبئ عن صعوبته - كما سبق - تطّلعا إلى ما وصف لهم من ذي قبل ، ليتّصفوا به ويصبحوا أبرارا بأنفسهم . ثانيا : جاء ( البرّ ) في ( 1 ) وصفا للّه تعالى ، وهذا هو الموضع الوحيد الّذي وصف فيه اللّه بهذا الوصف مقرونا بوصف الرّحيم الّذي هو الآخر خاصّ باللّه ، لكنّه موزّع ومكرّر في جميع السّور في البسملة ، وفي غيرها ( 95 ) مرّة « 1 » ، مشفوعا بأوصاف كثيرة ، مثل : الرّحمن ، وهو أكثرها ، والغفور ، ثمّ العزيز ، وغيرها على التّرتيب ، وتجد في كلّ موضع مناسبة بين الرّحيم وما اقترن به من الأوصاف ، لاحظ « ر ح م » . وأمّا المناسبة هنا بين البرّ والرّحيم ، فإنّ ( البرّ ) صفة فعل له ، و ( الرّحيم ) صفة ذات ، والأوّل ناشئ من الثّاني ، أي أنّه برّ لأنّه رحيم ، أو بالعكس البرّ صفة ذات ، والرّحيم صفة فعل ، أو هما معا صفتا فعل ، إلّا أنّ الأوّل نشأ من الثّاني ، وهذا أقرب ، لأنّ كلّا من البرّ والرّحيم جاءا متعدّيين ، مثل وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ مريم : 14 ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة : 128 . ولعلّ الاكتفاء بوصفه مرّة واحدة ب ( البرّ ) أنّ ( البرّ ) هو مجلى فيضه المنبسط عند العرفاء وهو واحد ، كما قال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ القمر : 50 ، وعبّر عنه ب ( البرّ ) لأنّ فيضه المنبسط لاحدّ له ، وهو رحمته الّتي وسعت كلّ شيء ، وقد سبق أنّ مادّة « البرّ » تدلّ على السّعة والكثرة ، فسبحان اللّه منزل الآيات . ولعلّ « أل » التّعريف في ( البرّ ) وصفا للّه ، إشارة إلى ذلك الفيض المعروف المتجلّي في كلّ شيء . ثالثا : وجاء ( برّا ) وصفا ليحيى وعيسى في سورة مريم ، وكان أحدهما عقيب الآخر ، وكذلك جاءت القصّتان معا في سورة آل عمران ( 35 - 47 ) والأنبياء ( 89 - 92 ) ، إلّا أنّ قصّة ولادة مريم في آل عمران متقدّمة على قصّة زكريّا ، فسورة مريم بدأت بقصّة زكريّا ؛ حيث اشتكى إلى اللّه من حرمانه الولد ، وسأله أن يهب له ولدا . فاستجاب دعاءه ، ووهب له يحيى ، رغم شيخوخة أبيه وعقم أمّه . ووصفه بأوصاف منها وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، ثمّ عقّبه بقصّة مريم وحملها بعيسى ووضعها إيّاه . ثمّ وصف عيسى بأوصاف منها وَبَرًّا بِوالِدَتِي . فكأنّ اللّه تعالى قدمّ قصّة زكريّا وولادة يحيى على النّحو غير المعتاد ، لتكون أرضيّة مناسبة لذكر عيسى من غير أب ، دفعا لاستبعادها ، وإشارة إلى تشابه الوليدين يحيى وعيسى في أنّ ولادتهما خارقة للعادة ، ومسبّبة لإرادة اللّه الحيّ القيّوم ، ووصفهما بأوصاف متقاربة منها ( برّا ) ، مع فوارق اقتضاها المقام : 1 - وصف يحيى ب بَرًّا بِوالِدَيْهِ ، وعيسى ب بَرًّا بِوالِدَتِي ، إذ لم يكن له أب . 2 - وصف يحيى ب آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا مريم : 12 - 14 ، ووصف عيسى حكاية عنه ب إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي
--> ( 1 ) انظر « المعجم المفهرس » .